خليل الصفدي

234

أعيان العصر وأعوان النصر

خلا الأمير سيف الدين طشتمر حمّص أخضر ؛ فإنه رقّ في الباطن والظاهر ، فخرج على قوصون وتعصّب لأحمد ، وكتب إلى نوّاب الشام ، وقام قياما عظيما - على ما سيأتي في ترجمته . وأمّا قوصون فإنه لما وقف على كتبه إلى النوّاب ، طلب الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري ، وجهّزه لحصار الكرك ، وجهّز معه ألفي فارس ، فتوجّه إلى الكرك ، وحصرها أياما ثم إنه رقّ لأحمد ، وبلغه أن الطنبغا نائب الشام قد توجّه بعسكر دمشق إلى حلب خلف طشتمر ، فترك حصار الكرك ، وجاء إلى دمشق ، وتسلّمها ودعا الناس إلى بيعة أحمد ، وسمّاه الناصر ، وجرى له ما جرى - على ما سيأتي إن - شاء اللّه تعالى - في ترجمة قطلوبغا الفخري ، ولما عاد الطنبغا من حلب والتقاه الفخري ، وانهزم الطنبغا إلى مصر ، وخامر عسكره عليه ، ودخلوا في ركاب الفخري إلى دمشق ، ونزل بالقصر الأبلق ، وحلّف الناس جميعا لأحمد الفخري ، جهّز الأمير سيف الدين قماري ، وسليمان بن مهنّا ، وغيرهما من الأمراء إلى الكرك ، وقصد منه الحضور إلى دمشق ، فلم يحضر وتعلّل بحضور طشتمر ، وكان قد تسحّب إلى الروم ، وكتب الناصر أحمد إلى الأمير سيف طقزتمر نائب حماة ، وإلى الأمير بهاء الدين أصلم نائب صفد ، وإلى صفد ، وإلى مقدّمي الألوف بدمشق يقول لهم : إن الفخريّ هو نائبي ، وهو يولّي النيابات من يراه . ولما وصل طشتمر من بلاد الروم إلى دمشق ، وكان أمراء مصر قد خرجوا على قوصون ، واعتقلوه في سجن الإسكندرية ، بعث الفخري وطشتمر إلى الناصر أحمد « 1 » ، وسألاه الحضور إلى دمشق ؛ ليتوجّها في خدمته بالعساكر إلى الديار المصرية ، فدافعهما إلى بعد مضيّ شهر رمضان ، وتوجّه إليه أكابر مقدّمي الألوف من مصر ، مثل الأمير بدر الدين جنكلي وأمثاله ، وسألوه التوجّه معهم إلى مصر فلم يوافق ، وعادوا خائبين ، وترك أهل الشام ومصر في حيرة بعد ما حلف الجميع له ثم إنه بعد ذلك توجّه وحده إلى القاهرة ، ولم يشعر المصريون إلّا وقد جاء خبره بوصوله ، وصعد إلى القصر الأبلق بقلعة الجبل ، ولما وصل الخبر إلى دمشق توجّه الفخري وطشتمر بعساكر الشام وقضاته إلى مصر ، وكانت سنة الأوحال ، كثيرة الثلوج والأمطار ، وجبيت الأموال من كبار الناس وصغارهم ؛ لنفقات العساكر ، ولعمل شعار الملك وأبّهة السلطنة فهلك الناس . ولما وصلوا إلى مصر ، جلس الناصر أحمد على كرسيّ الملك وإلى جانبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أبو القاسم أحمد - وقد مضى ذكره ، وحضر قضاة مصر والشام

--> ( 1 ) انظر : البداية والنهاية : 14 / 200 .